حضرة الشيخ الجليل اطرح هنا بعض التساؤلات ، إذا أجبتني عليها بصورة صحيحة وتطابق العقل ، والفطره ، فاني سوف اترك المذهب الشيعي إلى أيّ مذهب آخر.
إن سنة الله سبحانه في اختيار الأنبياء ، تمّت بالتعين المباشر من قِبله ،
لماذا لم يقـم الله سبحانه بانزال الوحي ، على مجموعه من الناس ليختاروا نبيهم؟
هل إن رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام خالف سنة الله بعدم تعين الخليفه من بعده؟
هل خالف الخليفه الأول سنة الله ، ورسوله ، عندما أوصى بالخلافه من بعده؟
هل خالف الخليفة الثاني سنن من قبلة عندما جعلها شورى؟
الا تتفق معي بضرورة تعين الخليفه من بعد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام من قبل الرسول نفسه حتى لا تختلف ، الأمة وكما حصل حيث بلغ الخلاف أوجه ، حيث ان المسلمين يكفر بعضهم البعض ويقتل بعضهم البعض.
هل يقبل العقل الروايات التي تقول : ان الرسول توفى ولم يجمع القران الذي هـو معجزته الخالدة ، وهل من المعقول ان يجمع القران في عهد عثمان الذي بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم . فترة زمنية طويله.
لا شك ان الإسلام ، هو أعظم الرسالات السماويه ، وكما تعلم ان الله قد أمر بمودة قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كأجر للرساله ، إذن لا بد لقرابة الرسول شان عظيم لا يقل عن عظمة الإسلام.
ما هو الدليل من القران على حرمة زيارة القبور.
ما هو جوابك إذا سالك الله ورسوله يوم القيامه ، لماذا لم تزر قبور ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقرا الفاتحة على أرواحهم ، وتلعن أعداءهم ، وقاتليهم كجزء بسيط من الوفاء لرسول الله ( قل لا اسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى)
ارجوا ان تكون الإجابه بعيدة عن الروايات التي زورت بدرجة كبيره عبر التاريخ مع الشكر.
******************
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على نبيا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :
أولا : إن لله تعالى أنزل علينا الوحي هاديا ، وسراجا منيرا ، فالعقل إن لم يهتد بالوحي يضـلّ ضلال بعيـدا ، ومن استغنى عن هُدى ربـّه بعقله ، استحوذ على عقـله الشيطان ، فزيـّن له ، سوءَ عمله .
غيـر أنّه سبحانه جعل العقل الصريح ، موافقا للنقل الصحيح ، وإني أدعوك إلى الإهتداء بالوحي المنزّل الهادي ،
ومع ذلك سأجيب على أسئلتك إجابة مختصرة ، توضّح كيف أن ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو الموافق للعقل ، والفطرة .
**
لو أنزل الله تعالى الوحي على أحـد من خلقه صار نبيـّا ، فلا حاجة ليختار الأنبياء نبيّا ، وقد صاروا أنبياء بالوحـي!!
،
والنبوة يختلف شأنها عن الإمامة ، النبوة غير مكتسبة ، فلايمكن لأحد أن يصبح نبيا بتحصيل أسباب النبوة ، ولهذا يُؤيّد النبيّ بالآيات التي تكون قطعية الدلالة على نبوّتـه ، ولهذا صار لنبينا صلى الله عليه وسلم التمكـين، والنصـر ، والظهور حتى إنقادت له قبائل العرب التي أشـد ما تكون أنفـة من الإنقياد لغيـرها .
،
أما الإمامة فقد جعلها الله تعالى في شريعتنا ، بالإكتساب فمن حصّل شروطها ، بايعه أهل الشأن فصار إماما ، لأنها قيادة سياسيّة ، تسوس الناس بالدين المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ،
فلايدعي الإمام أنـّه مرسل من الله ، ولا أنه ينزل عليه الوحي من الله ، فلا يؤيد بالآيات الدالّة على ذلك ،
فلهذا كانـت الحاجة إلى الشورى في أمـر تعيينـه ، ليكون الناس أقـرب إلى الإجتـماع والإنقياد للقيادة .
ثـمّ إن الشيعة تقول : إنّ تعيين النبي صلى الله عليه وسلم عليا من بعده ، هو الذي سبب الخلاف ، وليس تركه ذلك ! بل هـو ـ عندهم ـ كان سببا في أعظم خلاف ، وأدّى إلى تكفير الشيعة لعموم الأمّة المرحومة أمّة محمد صلى لله عليه وسلم ، أيْ كلّ الذين لم يؤمنوا بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم !
وأهل السنة يقولون : إنما الذي حصل به الإتفاق حتى اجتمعت الأمة ، فهو بيعة الصحابة ومعهم أهل البيت للصـديق ، ثم استقـرّ الأمر للإسلام ، وانتصر على أقوى دولتين في ذلك الزمن ، وبقيت له حضارة عظيمة مشهود لها عبر التاريخ .
ثم إنّ جعل الناس تختار من كانت فيه شروط وأهليـة القيادة ، وتبايعـه ، هـو أقرب ـ في العقل والمنطق ـ إلى تقليل الخلاف في الأمـّة أصــلا.
ومع ذلك فالخلاف في الأمّة وقع لأسباب كثيرة ، ليس بسبب الإمامة فقط ، بل كانت الأمّة في كثيـر من حقـب تاريخها الماضي ، لها قيادة سياسية مستقرة وأعداؤها يخشون سطوتها ، وكان في داخلها الخلاف أيضا .
والصديق رضي الله عنه ، استخلف عمر رضي الله عنه ، لعلمه أنّـه لاتعدل الصحابة عنه إلى غيره ، وإنما إنعقدت له الإمامة ببيعة الصحابة من غير إعتراض ، ليس بمجرد الإستخلاف.
ولهذا لم يخالف عمر رضي الله عنه ، الصديق رضي الله عنه ، بل وضع ستة بدل واحـد ، وترك الإمامة لتنعقد ببيعة أهل الشأن للمتأهّـل لها ، كما فعل الصديق ، غير أن الصديق اختار واحدا لعلمه أنه لايعدل أحــدٌ من الصحابــة عنه ، وكان كما توقـّع ،
واختار الفاروق ستة لعلمه أنّه لايعدل عنهم ، فكان كما توقّـع .
والقرآن جُمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه كان مجموعا في الصدور ، وجمعه الصديق في الصحف ، وجمعه عثمان رضي الله عنه على لغة قريش، بلهجاتها السـبع ، وجعل المصحف العثماني يحتملها كلها .
فقد تم جمعه ثلاث مـرات ، وحتّى جمع عثمان رضي الله عنه تم في زمن الذين أخذوا القرآن شفاها من النبي صلى الله عليه وسلم ، وعثمان نفسه من أقرب الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى زوّجه ابنتيه ، لهذا سُمي (ذو النورين )، فكيف تكون مدة طويلة !!!
ثم إنّ الطعن في القرآن يعني الطعن في كلّ دين الإسلام ، فهو أصل المصادر عندنا ، وأعظمها ، وهو أعظم آية للنبـيّ صلى الله عليه وسلم دالّـة على صدق نبوّتـه ، وهو مفخرتنا ، وأعظم ما يميـّز أمتنا عن الملل التي حرّفت كتبها السماوية ، فالطعن فيه تقويض لدين الإسلام كلـّه ، وإزالة ما يميزه ، حتى يتساوى مع غيره من كلّ الأديان الباطلة التي حُرّفت ، أو وضعها البشـر .
وشأن القرابـة عظيم ، وتعظيمهم فرض على الأمـّة ، وأجمع العلماء على أن لهم حقين ، حق الإسلام ، وحق القرابة ،
ولكن هذا كلّه لايقتضي أن يُلغى دور الأمة في القيادة السياسية ،
فالإسلام جاء بنظام سياسي شوري ، كما يجعل السيادة للوحي عليها ، يجعل الأمّة مصدر السلطات ، لتكون القيادة منبثقة من الأمـّة ، ومراقبة منها في نفس الوقـت ، إذ لامعصـوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا فحتـّى علي رضي الله عنه كان يستشير ، واختلف اجتهاده ، فقاتل ، وصالح من قاتلـه ، والحسن ابنه رضي الله عنه ، عزم على القتال ، ثم تنازل حقنا للدماء ، وهذا كلّه يدلّ على أنهما لم يكونا يريان نفسيهما معصوميـن.
وهذا هـو أقرب وأنسـب نظام سياسي ، يتم بـه إصلاح أمر العامة والخاصة ، وقد ثبت هذا في واقعنا أيضـا ، فكلّما كانت القيادة السياسية ، دائرتها محصورة القرار ، عديمة الرقابة ، كانت مآسيها أكبـر على شعوبها.
وهنا أمـر آخر وهو تحديد القرابة ، فقرابة النبي صلى الله عليه كل أهل بيـته آل علي رضي الله عنـه ، من جميع أولاده ، وليس من الحسن والحسين فقط ، وآل جعفر ، وآل عباس ، وآل عقيل ، وآل الحارث بن عبدالمطلـب ، رضي الله عنهم أجمعين ، وغيرهم ، وليسوا فقط أبناء علي رضي الله عنه ،
وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته .